الهوية لا تُباع، والمجد لا يُسرق، والتاريخ لا يُمحى.
شهدت قاعة المقر الثقافي سيدي بليوط بالدار البيضاء حفل توقيع كتاب “العشق الممنوع” الذي يروي قصة كرة الصالات و قد عرفت حضورًا متميزًا من صحفيين وشخصيات فنية قدمت من مدن بعيدة.
كما تشرف الحفل بحضور أول تشكيلة مثلت المنتخب الوطني المغربي في أول بطولة عربية أقيمت في مصر. سنة 1997 اي قبل ثلاثة عقود ، لكن المؤسف أن من كان يجب عليهم الحضور لتكريم هؤلاء الرواد الذين سطروا الصفحات الأولى من تاريخ هذه الرياضة، قد تغيبوا.
عندما نتحدث عن الرياضة، فنحن لا نتكلم فقط عن اللعب والإنجازات، بل عن هوية متجذرة في الانتماء والشرف. لم يكن نادي أجاكس القنيطري مجرد فريق يمارس كرة القدم أو يحصد البطولات، بل كان وطنًا صغيرًا يحتضن أبناءه ويرفع هاماتهم عاليًا في سماء المجد. ما أقسى أن يأتي من بعيد من ينتزع منك ما كنت تؤمن أنه حقك الطبيعي، ويجعلك غريبًا في قلب وطنك.
حينما تدخل محمد السادس سنة 1994 و اصدر اوامره للترخيص لنا لتمثيل المغرب في كاس العالم بالأرجنتين ، أثبت جلالته أن القيادة الحقيقية لا تُبنى على القرارات المتسرعة أو التحيز، بل على الحكمة والرؤية الثاقبة . لقد أظهر جلالته تفهمه العميق على دور الرياضة في توحيد الشعب، ورأى في كرة القدم وسيلة لتعزيز الهوية الوطنية وبث روح الانتماء.
محمد السادس، الذي كان يدرك أن الإنجاز الحقيقي لا يُبنى بالإقصاء أو التغيير القسري، فقد رفض سحب أحقية تمثيل الوطن من فريق أجاكس الذي استحق هذا الشرف بعد جهد وتفانٍ كبيرين. ولم يقم بتغيير رئيس الجمعية محمد الجامعي بشخص آخر، بل احترم العمل المؤسساتي والقواعد التي أُرسيت، ليُثبت أن النجاح يُبنى على التقدير والاعتراف بالمجهودات، لا على الهدم وإعادة البناء.
بهذا القرار الحكيم، أعاد جلالته لنا الثقة في أن القيادة الوطنية هي الضامن الحقيقي للعدالة، والقادرة على أن تكون سندًا لكل من يعمل بصدق من أجل الوطن، ولم يسمح لأي جهة بأن تعبث بالمبادئ الأساسية التي تبني جسور الثقة بين الشعب وقيادته.
هذا الموقف لم يكن مجرد تدخل لحل أزمة رياضية، بل كان درسًا في الوطنية والولاء. لقد علمنا أن حب الوطن لا ينفصل عن حب القائد الذي يحمل همومنا ويسعى لتحقيق أحلامنا. لقد زرع فينا جلالته من جديد روح الوطنية، تلك الروح التي تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ومنحتنا الثقة بأن جهودنا لن تذهب سدى، وأن العدل والحق هما الأساس في كل قرار.
إن انتزاع المجد الذي بناه أجاكس القنيطري عبر سنوات من التعب والجهد والتضحيات ليس مجرد سرقة للإنجازات الرياضية، بل هو انتهاك للهوية الوطنية التي يجسدها هذا النادي. الإنجازات المحققة كانت ثمرة عرق وتفانٍ من أبناء النادي الذين حملوا ألوانه بفخر، وجعلوا اسم “أجاكس القنيطري” عنوانًا للعزة والكبرياء. وحتى وإن أُخرجوا من المشهد الرياضي بلا مكاسب، سيظلون على مر الدهر أعمدة اللعبة ورمز الوطن.
فحين تُمحى إنجازات مواطنين من بني جلدتك وتُنسب إلى غير أصحابها، فاعلم أنك تنتزع من هؤلاء الأبطال جزءًا من هويتهم وانتمائهم، ليصبحوا كالغرباء داخل وطنهم، وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا من هذا التاريخ. إنها ليست مجرد قضية رياضية، بل مسألة تتعلق بالعدالة والاعتراف بحقوق الآخرين.
جلالة الملك محمد السادس أظهر بفطنته أن القيادة الحقيقية تكرّس العدالة والإنصاف. لقد فهم أن تحقيق الوطنية لا يتم بإقصاء من حقق الإنجاز، بل بتعزيز الثقة في المؤسسات وفي الأفراد الذين يعملون بجد لتحقيق طموحات الوطن.
إن هذا المبدأ يُعلمنا درسًا عظيمًا: و ان النجاح مسؤولية مشتركة، و لكل فرد دوره وحقه الذي يجب أن يُحترم. فمن بنى البيت يجب أن يُنسب إليه الفضل، ومن سهر الليالي لتحقيق الإنجاز يجب أن يُكرّم، لا أن يُستبدل بآخر لم يمر بتلك التحديات.
كان أجاكس القنيطري بنية نفسية علمتنا الصبر وحب الوطن، حباً حملناه في أعماق لا وعينا، ونما مع التاريخ والذكريات وأسماء الألقاب. فعندما تُمحى هوية نادي أجاكس القنيطري، فإنك تمحو جزءًا من ذاكرة المدينة ومن حكاية الوطن. كيف سنبني مستقبل وطننا إذا كنا نتجاهل الماضي أو نسلب من أهله ما صنعوه بأيديهم؟
نادي أجاكس القنيطري كان ولا يزال رمزًا للنضال والشغف الرياضي، وترك لاعبيه يعانون من التهميش أو الاستيلاء على تاريخه هو احتلال صامت لوطن صغير داخل وطننا الكبير. سنستمر جميعًا في النضال للدفاع عن هذا الإرث، لأن الهوية لا تُباع، والمجد لا يُسرق، والتاريخ لا يُمحى.
المصدر : https://partagemax.com/ar/?p=3173